ابن عجيبة

349

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

أوليائه على غيره ، ومن خدم وليا من أوليائه كان هو في رفق الولي ، وهذه إشارة لمن يخدم الفقراء ، يعلم أنه في رفقهم ، لا أن الفقراء تحت رفقه . ه . قال أهل التفسير : فلما رأى زكريا ما يأتي لمريم من الفواكه في غير أوانها ، قال : إن الذي قدر على أن يأتي مريم بالفاكهة في غير وقتها ، قادر على أن يصلح زوجتي ، ويهب لي ولدا على الكبر . فطلب الولد ، كما أشار الحق تعالى إلى ذلك بقوله : [ سورة آل‌عمران ( 3 ) : الآيات 38 إلى 41 ] هُنالِكَ دَعا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعاءِ ( 38 ) فَنادَتْهُ الْمَلائِكَةُ وَهُوَ قائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيى مُصَدِّقاً بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَسَيِّداً وَحَصُوراً وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ ( 39 ) قالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عاقِرٌ قالَ كَذلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ ما يَشاءُ ( 40 ) قالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قالَ آيَتُكَ أَلاَّ تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ إِلاَّ رَمْزاً وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيراً وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكارِ ( 41 ) قلت : ( هنالك ) : اسم إشارة للبعيد ، والكاف : حرف خطاب ، يطابق المخاطب في التذكير والتأنيث والإفراد والجمع في الغالب . والمحراب : مفعال ، من الحرب ، وهو الموضع المعد للعبادة ، كالمسجد ونحوه ، سمى به ، لأنه محل محاربة الشيطان . ( والملائكة ) : جمع تكسير ، يجوز في فعله التذكير والتأنيث ، وهو أحسن ، تقول : قام الرجال وقامت الرجال ، فمن قرأ : ( فنادته الملائكة ) ، فعلى تأويل الجماعة ، ومن قرأ : ( فناداه ) ، أراد تنزيه الملائكة عن التأنيث ، ردا على الكفار . والمراد هنا : جبريل عليه السّلام كقوله : يُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ بِالرُّوحِ ، وَإِذْ قالَتِ الْمَلائِكَةُ يا مَرْيَمُ ، و ( بشر ) : فيها لغتان : التخفيف ، وهي لغة تهامة ، تقول : بشر يبشر - بضم الشين في المضارع ، والتشديد ، وهو أفصح ، تقول بشّر يبشّر تبشيرا . يقول الحق جل جلاله ، مخبرا عن زكريا عليه السّلام : هُنالِكَ أي : في ذلك الوقت الذي رأى ما رأى من الخوارق عند مريم ، دَعا زَكَرِيَّا رَبَّهُ ، فدخل المحراب ، وغلق الأبواب ، وقال في مناجاته : رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً ، كما وهبتها لحنّة العجوز العاقر ، إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعاءِ أي : مجيبه فاسمع دعائي يا